نورالدين علي بن أحمد السمهودي

83

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

آخر سنة من خلافته ؛ ففي كتاب السير عن الحارث بن مسلم عن ابن وهب : أخبرني مالك أن كعب الأحبار كان يقول عند بنيان عثمان المسجد : لوددت أن هذا المسجد لا ينجز « 1 » ؛ فإنه إذا فرغ من بنيانه قتل عثمان ، قال مالك : فكان كذلك . قال الحافظ ابن حجر : ويمكن الجمع بأن الأول كان تاريخ ابتدائه ، والثاني تاريخ انتهائه . قلت : قد تقدم ما يردّ هذا الجمع ، وأن الفراغ منه كان في سنة ثلاثين ، لكن يمكن أن عثمان رضي اللّه عنه أحدث فيه عمارة أخرى آخر سنة من خلافته وقد وصل ابن شبة ما نقله مالك عن كعب ؛ فروى بسنده من طريق الأعمش عن أبي صالح قال : قال كعب ومسجد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يا بنى : واللّه لوددت أنه لا يفرغ من برج إلا سقط برج ، فقيل له : يا أبا إسحاق أما كنت تحدثنا أن صلاة فيه أفضل من ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام ، قال : بلى ، وأنا أقول ذلك الآن ، ولكن فتنة نزلت من السماء ليس بينها وبين أن تقع إلا شبر ، ولو فرغ من بناء هذا المسجد وقعت ، وذلك عند قتل هذا الشيخ عثمان بن عفان ، فقال رجل : وهل قاتله إلا كقاتل عمر ، قال : بل مائة ألف أو يزيدون ، ثم يحل القتل ما بين عدن أبين إلى دروب الروم « 2 » . وروى يحيى عن أفلح بن حميد عن أبيه قال : لما أراد عثمان أن يكلم الناس على المنبر ويشاورهم قال له مروان بن الحكم : فداك أبي وأمي ، هذا أمر خير لو فعلته ولم تذكر لهم ، فقال : ويحك ! إني أكره أن يروا أني أستبد عليهم بالأمور ، قال مروان : فهل رأيت عمر حيث بناه وزاد فيه ذكر ذلك لهم ؟ قال : اسكت ، إن عمر اشتد عليهم فخافوه ، حتى لو أدخلهم في جحر ضب دخلوا ، وإني لنت لهم حتى أصبحت أخشاهم ، قال مروان بن الحكم : فداك أبي وأمي لا يسمع هذا منك فيجترأ عليك . وعن عبد الرحمن بن سفينة قال : رأيت القصّة تحمل إلى عثمان وهو يا بني مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من بطن نخل ، رأيته يقوم على رجليه والعمال يعملون فيه حتى تأتي الصلاة فيصلي بهم ، وربما نام ثم رجع ، وربما نام في المسجد . وعن خارجة بن زيد قال : هدم عثمان بن عفان المسجد وزاد في قبلته ، ولم يزد في شرقيه ، وزاد في غربيه قدر أسطوان ، وبناه بالحجارة المنقوشة والقصة وعسب النخل

--> ( 1 ) أنجز الشيء : أتمه وقضاه . ( 2 ) الدروب مفردها الدرب : المضيق بين الجبال . و - كل مدخل إلى بلاد الروم .